المسؤولية الأخلاقية والقانونية للأفراد :
وينبع اهتمامنا بطرح فكرة ( المسؤولية الاخلاقية ) او ( القانونية ) على بساط البحث ، من زاوية ان هذه المسؤولية الشخصية مرتبطة بشكل مباشر بفكرة ( العقوبة ) الشرعية او القانونية وبطبيعة الحال فان ( المسؤولية ) في المصطلحات الدينية ترتبط ايضا بمنطوق الجزاء الالهي ( الثواب والعقاب ) ، والعقوبة الشرعية الدنيوية ، والمسؤولية القانونية في الدولة الشرعية .
ومن المسلم به فقهيا وفلسفيا ان المسؤولية الشخصية هي الشرط الاساسي في العدالة القضائية لان الفرد لا يمكن ان يثاب او يكرم او يعاقب او يلام ما لم يكن متحملا المسؤولية التامة عن عمله الذي قام به .
ولاشك ان التعارض الفكري بين مسالتي المسؤولية الفردية والحرية الشخصية هو الذي ادى الى مناقشة فكرة ( المسؤولية الاخلاقية ) في الرسالة الدينية فالافراد مسؤولون ( اخلاقيا ) عن كل اعمالهم وافعالهم الاجتماعية والشخصية ، ولكنهم مسؤولون ( قضائيا ) عن افعالهم الاجتماعية بالخصوص الا ان سؤالا يمكن ان يبرز هنا وهو اننا تحت اي شرط من الشروط مسؤولون عن اعمالنا اخلاقيا ؟ وهل ان المقياس الاخلاقي هو الثواب والعقاب ام الوصول الى الكمال الاخلاقي المطلق ، كما ورد عن امير المؤمنين ( ع ) : ( ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك وانما وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك ) (49) ؟ لاشك ان اسمى درجات المسؤولية الاخلاقية في الاسلام هي المسؤولية التي ترى ان العمل يجب ان ينفذ باعتبار معانيه الاخلاقية السامية لا باعتبار الفوائد والثمرات الموضوعية التي يجنيها الفرد من وراء اداه ذلك العمل .
وبطبيعة الحال ، فان المسؤولية الفردية لا يتحقق تكاملها ما لم ترتبط بمفاهيم ( الارادة ) و( الاختيار) او بمعنى ادق ، المدى الذي نستطيع فيه ان نطبق مصطلحات ( الحرية ) ، و( التحلل من الالزام ) ، و( عدم الاكراه ) ، و( الارادة ) على فكرة المسؤولية الاخلاقية فهل نستطيع ان نحمل فردا ما مسؤولية اخلاقية اذا كانت الظروف الخارجية التي واجهها خارجة عن ارادته وسيطرته الذاتية ؟ وهل نستطيع ان نسلب المسؤولية الاخلاقية من فرد آخر بدعوى الاكراه ؟ لاشك ان تحقيق العدالة القانونية او الشرعية يتطلب ميزانا متساويا لطرفي ( الارادة ) و( الاكراه ) ، يعكسها بصدق ما رواه مفضل بن عمرو عن الامام الصادق ( ع ) : ( لا جبر ولا تفويض ، ولكن امر بين امرين ) (50) ، وهو من موارد الاطلاق في المسؤولية الشرعية والاخلاقية وما روي من ان الفضل بن سهل سال الامام الرضا ( ع ) بين يدي المأمون ، فقال : ( يا ابا الحسن الله اعدل من ان يجبر خلقه ثم يعذبهم ، قال : فمطلقون ؟ قال : الله احكم من ان يهمل عبده ويكله الى نفسه ) (51) وما رواه واصل بن عطاء قائلا : ( احسن ما سمعت في القضاء والقدر قول امير المؤمنين علي بن ابي طالب ( ع ) : ايدلك على الطريق وياخذ عليك المضيق ؟ ) (52) ولاشك ان قوة اختيار الشخصية تتناسب مع قوة الارادة ، الا ان العلم الالهي بقوة الاختيار والارادة الانسانية لا يتدخل في رسم شكل العقوبة لانه لا يغير من قوة الارادة والاختيار شيئا بيد ان الظروف الخارجية التي تكره الفرد على فعل ما كانت قد عالجتها الشريعة بشكل محكم ، فاخرجت ( المكره ) و( المضطر) و( المضطرب عقليا ) من اطار مسؤولياته الاخلاقية والقانونية ، وجعلت المسؤولية الاخلاقية او القانونية مرتبطة بالحرية الشخصية والقدرة العقلية على فهم وتحليل الواقع الخارجي .
ويطرح في هذا المقام سؤال جديد وهو : هل ان ( القدرة على الفعل ) تنطبق على المسؤولية الاخلاقية تماما كما تنطبق ( الحرية على اداء الفعل ) ؟ لاشك ان حرية الارادة تختلف جوهريا عن القدرة على استعمال تلك الحرية فالعاجز لا يكون مسؤولا عن عجزه على اداء العمل الاخلاقي او الشرعي ولكن حرية ( القرار ) ليست كحرية ( الفعل ) وبمعنى تصديقي لو ان معاوية بن ابي سفيان اراد ان يذعن لامامة امير المؤمنين ( ع ) وينصاع لولايته لفعل ذلك ، الا انه لم يقرر ذلك العمل ولما كانت حريته الذاتية في القرار كاملة ، اصبح نفسه مسؤولا على الصعيد الاخلاقي عن عمله اللاحق لقراره الظالم الذي اتخذه لنفسه .
ولاشك فانه لابد لنا من التمييز بين المسؤولية الاخلاقية الناتجة عن الافعال التي تحصل عن طريق الاكراه او الاضطرار والافعال التي تحصل عن طريق القصد والتصميم ولكن هل ان تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية هو طريقة من طرق تهذيبهم مستقبلا ؟ والجواب على ذلك يكمن في ان المسؤولية الاخلاقية تنشق الى شقين ، الاول : ما يتعلق بالمسؤولية الاخلاقية النهائية ، وهو الامتثال امام المولى عز وجل يوم القيامة لاستلام الجزاء والثاني : ما يتعلق بالمسؤولية الاخلاقية الاجتماعية ، التي تعتبر الفرد كائنا متكاملا مع النظام الاجتماعي فاذا كانت فكرة تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية طريقة من طرق تهذيبهم مستقبلا ، فانه لابد ان ينطبق عليها مفرد الشطر الثاني ذلك ان تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية انما ينبع من قابليتنا على الحكم على هؤلاء الافراد اخلاقيا فاذا كان حكمنا بالمسؤولية الاخلاقية لا يؤثر على سلوك الافراد بطرق معتبرة ، فان الهدف الفاضل من الاشارة الى مسؤولية الفرد الاخلاقية سوف ينتفي ولذلك فان عدم القصد والاكراه والاضطرار في احكام الشريعة الاسلامية تحلل الفرد من مسؤوليته الاخلاقية مؤقتا ، ومن ثم فان التاثير الايجابي للحكم على تلك المسؤولية لا بد وان يكون مرتبطا بالتصميم العقلي السليم على اداء الفعل وبطبيعة الحال ، فان المسؤولية الاخلاقية للافراد هي من حق الجماعة اكثر مما هي من حق الفرد ، لان الثمار الناتجة عن تطبيق شروطا لمسؤولية الاخلاقية تكون اكثر نفعا واعظم فائدة للمجتمع وللنظام الاجتماعي بمؤسساته المتضافرة مما كان للفرد بصفته الشخصية .
وحرية الاختيار وارتباطها بالمسؤولية الاخلاقية والقانونية للافراد ما زالت تثير الكثير من الجدل حول طبيعة تلك الحرية وحدودها الا ان اهم الاسئلة المثارة حولها هو: هل ان تلك الحرية مقيدة ب( الجبر الذاتي ) ام ب( الجبر الموضوعي ) الخارجي ؟ فاجابت المدرسة الفلسفية الاوروبية بزعامة (اف اج برادلي ) (53) بان النفس الانسانية تجبر الفرد على اداء عمل معين ، ولذلك فان الشخص مسؤول عن عمله اخلاقيا وزعمت بان تحقق هذا ( الجبر الذاتي ) لا يعني باننا نستطيع ان نتنبأ بالاعمال التي سوف نقوم بها ، لان الاعمال لا تتحقق ما لم تتواجد الشروط الموضوعية الخاصة بها وهي شروط تتجاوز الابعاد المادية ، بل انها تشمل قضايا روحية واسبابا عقلية بحتة .
لكن ( برادلي ) ومدرسته الفلسفية لم ينهضا بتصور شامل عن ماهية الجبر الذاتي والجبر الموضوعي فالفرق ما بين ( الجبر الذاتي ) و( الجبر الموضوعي ) الخارجي يعكس الفرق ما بين الاختيار والاكراه وحرية ( الجبر الذاتي ) لا يمكن ان يقيدها الاكراه ، لان الاكراه لا ياتي الا من الخارج الموضوعي وحتى لو افترضنا وجود ( الجبر الذاتي ) الذي يكره الفرد على اتخاذ القرار ، فان ذلك الجبر لابد وان يكون نفسه تحت تاثير خارجي موضوعي ، وهذا محال لانه يستلزم ( الدور) الذي آمن جميع الفلاسفة باستحالته .
ومن المعلوم اننا اذا آمنا بالجبر الذاتي فاننا سنسلم بان الجبر قد حصل قبل اتخاذ القرار الشخصي باداء العمل ، وهو مردود ايضا لان الاكراه لا يحصل الا بتاثير خارج وقت القرار ، كما تبين لنا ذلك قبل لحظات وبالنتيجة فان القرار ينبع من شروط الخارج الموضوعي وليس العكس وبذلك ينتفي ( الجبر الذاتي ) وتتحطم نظرية ( اف اج برادلي ) الفلسفية بصدد حرية الاختيار .
وهذه النتيجة تقودنا الى مناقشة مثمرة لفكرة ( حرية الارادة ) التي جاءت بها النظرية الاسلامية طبقا لمذهب اهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) فمع ان الاعمال والافعال لا تحصل عن طريق ( الصدفة ) الا في الحالات الاستثنائية ، الا ان المسؤولية الاخلاقية ترتبط دائما بحرية الارادة التي يمتلكها الفرد ضمن بنائه التكويني الذي صممه له الخالق عز وجل ولذلك فان النظرية الاجتماعية والدينية تفسح المجال لتحميل الافراد مسؤولية اعمال بعضهم تجاه بعضهم الاخر وهذا لا يعني ان ( الجبر الذاتي ) او( الجبر الموضوعي ) يتدخلان في تحديد المسؤولية الاخلاقية على نطاق الجماعة والنظام الذي يحكمها بل ان ( حرية الارادة ) هي التي تصمم شكل الافعال التي يقوم بها الفرد ، ومن ثم طبيعة المسؤولية التي يتحملها .
ولاشك ان هذا التصور يعطي تبريرا اخلاقيا للعقوبة ، باعتبار ان الجاني او المجرم يستحق ذلك الاذى المنزل به على الصعيد الاخلاقي فالعقوبة لا تهدف الى تجريد الجاني من انسانيته بقدر ما تعكس مبدا اساسيا يعلن بان شروط العدالة الجنائية او الحقوقية قد تحققت والنتيجة ، ان عناصر ( حرية الارادة ) ، و( المسؤولية الاخلاقية ) ، و( الجزاء ) الذي ينتظر الانسان ، يجب ان تؤخذ كلها على ضؤ عقيدة ذلك الفرد الاخلاقية والدينية ، لا ان ينظر اليها باستقلال عن مبادئه وقيمه الاخرى .
ـــــــــ
1ـ ( عمانوئيل كانت ) فلسفة ( كانت ) في القانون ادنبرة : 1887م .
2ـ ( اي سي اوينك ) اخلاقية العقوبة لندن : 1929م .
3ـ ( جي دبليو هيغل ) فلسفة هيغل في الحقوق اكسفورد : 1942م .
4ـ ( جيرمي بنثام ) مقدمة في مبادئ الاخلاق والتشريع لندن : 1789م .
5ـ البقرة : 179.
6ـ المائدة : 45 .
7ـ النور: 2 .
8ـ البقرة : 194 .
9ـ البقرة : 190 .
10ـ الشورى : 39 .
11ـ ( باربرا ووتون ) علم الاجتماع والمرض الاجتماعي لندن : 1959م وايضا : ( اج ال هارت ) العقوبة والغاء المسؤولية لندن : 1962م .
12ـ فصلت : 43 .
13ـ الاعراف : 167 .
14ـ المائدة : 98 .
15ـ ذيادة : منعا لهم عن المعاصي الجالبة للنقم .
16ـ حياشة : سوقا الى جنته .
17ـ نهج البلاغة ، حكم 368 .
18ـ البقرة : 179 .
19ـ البقرة : 178 .
20ـ البقرة : 194 .
21ـ المائدة : 45 .
22ـ الاسراء : 33 .
23ـ نهج البلاغة ، حكم 252 .
24ـ وسائل الشيعة 18 : 312 .
25ـ فاطر: 18 .
26ـ بحار الانوار 71 : 239 .
27ـ البقرة : 178 .
28ـ المائدة : 45 .
29ـ كنز العمال ح 39851 .
30ـ كنز العمال ح 39854 .
31ـ كنز العمال ح 12971 .
32ـ وسائل الشيعة 18: 336 .
33ـ البقرة : 230 .
34ـ الانعام : 38 .
35ـ بحار الانوار 2: 170 .
36ـ مستدرك الوسائل 3: 216 .
37ـ كنز العمال ح 12964 .
38ـ كنز العمال ح 12969 .
39ـ تحف العقول : 152 .
40ـ الاعراف : 6.
41ـ الصافات : 24 .
42ـ الحجر: 93 .
43ـ صحيح البخاري 3 : 1459 .
44ـ شرح نهج البلاغة 11: 91 .
45ـ المصدر السابق 9: 288 .
46ـ الكافي 2: 170 .
47ـ الظاهر اشتراط العلم بالجريمة حكما وموضوعا في استحقاق العقوبة في الدنيا ، نعم قد يقال ان العقاب الاخروي يشمل الجاهل المقصردون القاصر (التحرير) .
48ـ نهج البلاغة خطبة 48 .
49ـ شرح نهج البلاغة 10: 157 .
50ـ بحار الانوار 5: 17 .
51ـ المصدر السابق 5: 59 .
52ـ المصدر السابق 5: 58 .
53ـ ( ريتشارد برنادت ) .
فلسفة ( العقوبة ) في الفقه الإمامي .
- أبوعلي
- مشاركات: 3698
- اشترك في: الاثنين ديسمبر 18, 2006 7:36 pm
- مراقب
- مشاركات: 4771
- اشترك في: الخميس سبتمبر 28, 2006 5:57 am
رد: فلسفة ( العقوبة ) في الفقه الإمامي .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صلي وزد وبارك على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
- - --^[ (أبو علي ) ]^-- - -
بــارك الله فيكم على المجهود الرااائع
تحياتي
اللهم صلي وزد وبارك على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
- - --^[ (أبو علي ) ]^-- - -
بــارك الله فيكم على المجهود الرااائع
تحياتي




الموجودون الآن
المتصفحون للمنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد